محمد متولي الشعراوي
1917
تفسير الشعراوى
وحتى تظل معجزة باقية فلا يمكن أن تكون حسية . إذن فعندما تأتى معجزة خالدة لرسول هو خاتم الرسل ، والذي سوف تقوم القيامة على المنهج الذي جاء به ، هذه المعجزة لا بد أن تكون ذات أمد ممتدّ ، والامتداد يناقض الحسّية ؛ لأن الحسّية تظل محصورة فيمن رآها ، والذي لم يرها لا يقولها ولا يؤمن بها إلا إذا كان على ثقة عظيمة بمن أخبره بها . وابنا آدم ، قابيل وهابيل قرّب كل منهما قربانا . و « قربان » مثلها في اللغة مثل « غفران » و « عدوان » والقربان هو شئ أو عمل يتقرب به العبد من اللّه . وقبول هذا العمل من البر هو سرّ من أسرار اللّه . فما الذي أدرى هؤلاء أن قربان هابيل قد تقبّله اللّه ولم يتقبّل اللّه قربان قابيل ؟ لا بد أن تكون المسألة حسّية . ولا بد أن قابيل وهابيل قد اختلفا ، ولكن القرآن لم يقل لنا على ماذا اختلفا ، إنها دعوى أن واحدا منهما مقرّب إلى اللّه أكثر ، ولكن بأي شكل ؟ لم يظهر القرآن لنا ذلك ، ولو كانت المسألة مهمة لأظهرها اللّه لنا في القرآن الكريم ، فلا تقل كان الخلاف على زواج أو غير ذلك . فالذي ظهر لنا من القرآن أن خلافا قد وقع بينهما أو أنهما قد حكما السماء . ومبدأ تحكيم السماء لا يستطيع أحد أن ينقضه . وكان لكل واحد منهم شبهة . وعندما قامت الشبهة التي لقابيل ضد الشبهة التي لهابيل ، فلا إقناع من صاحب شبهة لصاحب شبهة ، ولذلك ذهبا إلى التحكيم . ونحن في عصرنا الحديث عندما نختلف على شئ فإننا نقول : نجرى قرعة . وذلك حتى لا يرضخ إنسان لهوى إنسان آخر ، بل يرضخ الاثنان للقدر ، فيكتب كل منهما ورقة ثم يتركان ثالثا يجذب إحدى الورقتين . أما هابيل وقابيل فيذكر القرآن الكريم : « وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبا قُرْباناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِما وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ » . إذن فكل واحد منهما كانت له شبهة ، ولا أحد منهما بقادر على إقناع الثاني ؛ لذلك قال قابيل بعد أن قبل اللّه قربان هابيل : « لأقتلنك » فماذا قال هابيل ؟ . قال : « إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ » .